فصل: تفسير الآيات رقم (148- 151)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 70‏]‏

‏{‏وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏65‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏66‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏67‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ‏(‏68‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏69‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين * قَالَ ياقوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ‏}‏ عاد اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و«أخاهم» نصب ب «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلاَ تَتَّقُونَ‏}‏ استعطاف إلى التقوى، والإيمان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً فاذكروا آلآءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَزَادَكُمْ فِي الخلق‏}‏ أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ‏.‏

وقيل‏:‏ زادكم على أهل عصركم‏.‏

وقال الطبري‏:‏ زادكم على قَوْمِ نوح‏.‏ وقاله قتادة‏.‏

قال * ع *‏:‏ واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم‏.‏

وروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم سِتُّون ونحوها‏.‏ والآلاء جميع «إلًى» على مثل «معًى»، وهي النعمة والمنة‏.‏

قال الطبري‏:‏ وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم «الشّحر» من أرض «اليمن» وما وَالى «حَضْرَمَوْتَ» إلى «عمان»‏.‏

قال السدي‏:‏ وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى‏.‏

وقال علي بن أبي أبي طالب رضي اللَّه عنه‏:‏ إن قبر هُودٍ عليه السلام هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيراً بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُوداً من أفضلهم وأوسطهم نَسَباً، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ الظُّلْمِ‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام ب «مكَّة» فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفداً إلى «مكة» يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخبيري في سَبْعِينَ رَجُلاً من قومهم، فلما قدموا «مكة» نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْراً يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه‏:‏ كلهدة ابنة الخبيرى أخت جلهمة، وقال‏:‏ هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا‏:‏ اصنع شِعْراً نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ *** لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا

فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَاداً *** قَدَ امسوا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَا

مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو *** بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَا

وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر *** فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عيامى

وَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَاراً *** وَلاَ تخشى لِعَادِيٍّ سِهَامَا

وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم *** نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا

فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ *** وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا

فغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم‏:‏ يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد‏:‏ إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر‏:‏ احْبِسَا عنا مرثداً، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُوداً، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال‏:‏ يا إلاهنا إن كان هود صادقاً، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء‏:‏ يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل‏:‏ قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنودي

قد اخترت رَمَاداً رَمْدداً *** لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَا

لا وَالِداً وَلاَ وَلَداً *** إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَا

وساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له‏:‏ المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا هذا عَارِضٌ ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها‏:‏ مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها‏:‏ ما رأيت‏؟‏ قالت‏:‏ رأيت ريحاً فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْوماً، والحُسُوم‏:‏ الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحداً إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتد به‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولاً، وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم‏:‏ أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر‏.‏

وفي خبرهم‏:‏ أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ بلغني أن ضَبُعاً رَبَّتْ أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم‏.‏

وفي خبرهم‏:‏ أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيراً، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏ وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سحبانه‏:‏ ‏{‏فأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 6‏]‏ وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى «مكة» فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏أجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالى من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏فأْتِنَا بِمَا تَعِدُنا‏}‏‏:‏ تَصْمِيمٌ على التكذيب، واستعجالٌ للعقوبة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 72‏]‏

‏{‏قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏71‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المُنتَظِرِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا‏}‏ أي‏:‏ في مسمَّيات سميتموها آلهة، و‏{‏قَطَعْنَا دَابِرَ‏}‏ استعارة تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر‏:‏ الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا‏}‏ دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين‏.‏

* ت *‏:‏ ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله‏:‏ ‏{‏فَكِيدُونيِ جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنظِرونِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 55‏]‏ على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحَاً قَالَ ياقوم اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هذه نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأَكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأَخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ و«إلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ؛ على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمشُ‏:‏ «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف؛ على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 68‏]‏، و‏{‏أَخاهُمْ‏}‏ عطْفٌ على «نوح»، والمعنى‏:‏ وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب؛ كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ‏.‏

* ت *‏:‏ النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك؛ وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة؛ حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ‏:‏ هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ ‏"‏ انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله * ع *‏:‏ وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ؛ كذا ذكر مكِّيٌّ‏.‏

قال وهْبٌ‏:‏ بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي‏:‏ كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس‏:‏ إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه‏.‏

وقال الجمهور‏:‏ بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا‏:‏ يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ- لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور‏.‏

ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة‏.‏

وقيل لها‏:‏ ‏{‏نَاقَةُ اللَّهِ‏}‏؛ تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها‏.‏

قال المفسِّرون‏:‏ كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا‏:‏ مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ؛ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي‏:‏ أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا‏:‏ عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال‏:‏ إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها‏:‏ أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل‏:‏ بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك؛ حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال‏:‏ يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء؛ حتى ما تناله الطيرُ؛ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ‏:‏ سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه؛ حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك فقال‏:‏ «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ اعتجر بِعمامَةٍ»، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوَادِي صلى الله عليه وسلم‏.‏

* ت *‏:‏ ولفظُ البخاريِّ‏:‏ ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 79‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏75‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏76‏)‏ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏77‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏78‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏{‏بَوَّأَكُمْ‏}‏‏:‏ معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و«القُصُور»‏:‏ جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ؛ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و«النحْتُ»‏:‏ النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب؛ كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، و‏(‏تَعْثَوْا‏)‏ معناه تُفْسِدُوا‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ و‏{‏مُفْسِدِينَ‏}‏‏:‏ حالٌ موكِّدة‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏الَّذِينَ استكبروا‏}‏ هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و‏{‏الَّذِينَ استضعفوا‏}‏‏:‏ هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏أَتَعْلَمُونَ‏}‏‏:‏ استفهام؛ على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ‏}‏ يقتضي بتَشْريكهم أجميعن في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقْرها حتى كان يستشيرُ، و‏{‏عَتَوْاْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم‏:‏ ‏{‏ائتنا بِمَا تَعِدُنَا‏}‏، فحلَّ بهم العذابُ، و‏{‏الرَّجْفَةُ‏}‏‏:‏ ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب، ويرتَعِدَ؛ ومنه‏:‏ «فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ» وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقَّتْ قلوبَهُمْ، فجثموا على صدورهم، والجِاثم اللاَّطئ بالأرض على صَدْره، ف ‏{‏جَاثِمِينَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ باركين قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين‏:‏ معناه‏:‏ حميماً محترقين؛ كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلاً كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم؛ ففي «مُصَنَّف أبي داود»، قيل‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أبُو رُغَالٍ، وذكر الطبريُّ أيضاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل، وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَوَلَّى عَنْهُمْ‏}‏، أي‏:‏ تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب؛ وكذلك رُوِيَ أنه عليه السلام خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتى؛ على جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك؛ كما خاطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهْل قليب بَدْر‏.‏ قال الطبريُّ؛ وقيل‏:‏ إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين‏}‏‏:‏ عبارةٌ عن تغليبهم الشهواتَ عَلَى الرأْي السديد؛ إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب‏:‏ أمْرُ مُبْكِيَاتِكَ لاَ أَمْرُ مُضْحِكَاتِكَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 84‏]‏

‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏81‏)‏ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ‏(‏82‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏83‏)‏ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين‏}‏‏.‏

لوطٌ عليه عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسَّمى «سَدُومَ» ورُوِيَ أَنه ابنُ أَخِي إِبراهيمَ عليه السلام ونَصْبُه‏:‏ إما ب «أرسلنا» المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره‏:‏ واذكر لوطاً، و‏{‏الفَاحِشَةَ‏}‏‏:‏ إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة؛ عند مالك وغيره‏:‏ الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي اللَّه عنه رجُلاً عَمِلَ قومِ لوط، وقرأ نافع وغيره‏:‏ «أَنَّكُمْ»؛ على الخبر؛ كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ‏:‏ الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان، و‏{‏يَتَطَهَّرُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا‏.‏

قال قتادة‏:‏ عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ واستثنى اللَّه سبحانه امرأة لوطٍ عليه السلام من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ‏:‏ هو الباقي؛ هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ «غَبَرَ» بمعنى بَقِيَ، وبمعنى «مضى»، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن‏.‏

وقيل خمسٌ، وقيل‏:‏ أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجاً من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأَةُ لوط، حين سَمِعَتِ الوَجْبَة‏:‏ وَاقَوْمَاهُ، والتفتت، فأصابتها صخْرَةٌ فَقَتَلَتْهَا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 93‏]‏

‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏85‏)‏ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏86‏)‏ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏87‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ‏(‏88‏)‏ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ‏(‏89‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قيل في ‏{‏مَدْيَنَ‏}‏ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل‏:‏ اسم قبيلةٍ، وقيل‏:‏ هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه‏.‏

وقال مكِّيّ‏:‏ كان زوجَ بنْتِ لُوطٍ، و‏{‏أَخَاهُمْ‏}‏‏:‏ منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و«البيِّنة»‏:‏ إشارة إِلى معجزته، ‏{‏وَلاَ تَبْخَسُواْ‏}‏ معناه ولا تظلموا؛ ومنْه قولهم‏:‏ تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي‏:‏ ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود»‏:‏ البَخْس‏:‏ النَّقْصَ‏.‏

* ت *‏:‏ ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع؛ ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه‏.‏

قال أبو حَيانَ‏:‏ ولا تَبْخَسُوا‏:‏ متعدٍّ إلى مفعولين، تقول‏:‏ بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي‏:‏ نقصته إياه‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏أَشْيَاءَهُمْ‏}‏‏:‏ يريد أمتعتهم وأموالهم، ‏{‏وَلاَ تُفْسِدُواْ‏}‏‏:‏ لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله؛ وكذلك الإصلاح عامٌّ، ‏{‏ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏، أيْ‏:‏ عند اللَّه ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏، أي‏:‏ بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، ‏{‏وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال السديُّ‏:‏ هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل، و«الصِّرَاطُ»‏:‏ الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا؛ لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه‏:‏ هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْعُدُواْ‏}‏ نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أنّ يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداووديُّ‏:‏ وعن مجاهد ‏{‏تَبْغُونَهَا عِوَجاً‏}‏‏:‏ يلتمسون لها الزيْغَ‏.‏ انتهى‏.‏

ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ‏.‏

وقيل‏:‏ أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فاصبروا‏}‏ تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم‏:‏ ‏{‏أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا‏}‏ معناه‏:‏ أو لتَصِيرُنّ، و«عَادَ» في كلام العرب على وجهين‏:‏

أحدُهُمَا‏:‏ عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف؛ ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ *** وَعُمْرَاً تولى يا بُثَيْنُ يَعُودُ

ومنْه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 28‏]‏‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ أنْ تكون بمعنى «صَارَ»، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة؛ ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ *** شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ

ومنه قول الآخر

> *** وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ‏.‏‏.‏‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى عَادَ كالعرجون القديم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 39‏]‏، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية‏:‏ ‏{‏أَوْ لَتَعُودُنَّ‏}‏، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار»، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كُنَّا كارهين‏}‏ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏قَدِ افترينا‏}‏‏:‏ هو بمعنى المستقبل؛ لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو‏:‏ ‏{‏إِنْ عُدْنَا‏}‏ أو هو جوابه، على قول‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّنَا‏}‏ يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ مِنَ القربات‏.‏

وقيل‏:‏ إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء؛ كما تقول‏:‏ تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ‏:‏ تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط»، وقوله‏:‏ ‏{‏افتح‏}‏ معناه‏:‏ احكم، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلَى الله تَوَكَّلْنَا‏}‏‏:‏ استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه؛ وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّنَا‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ قال الملأُ لتباعهم ومُقَلِّديهم، و‏{‏الرجفة‏}‏‏:‏ الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ‏.‏

* ت *‏:‏ والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد؛ وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏هود‏:‏ 94‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا‏}‏ الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا‏:‏ معناه‏:‏ يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا *** أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ

قال * ع *‏:‏ فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنةٌ بتنعُّم وعيشٍ مرضيٍّ، وقوله‏:‏ ‏{‏ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ‏}‏‏:‏ كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً؛ لَمَّا رأى هلاكَ قومه، إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك، طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمَّا نظر وفكَّر‏:‏ ‏{‏فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين‏}‏، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسى معناه‏:‏ أحزن‏.‏

قال مَكِّيٌّ‏:‏ وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مَكَّة إِلَى أنْ ماتوا بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 96‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ‏}‏ أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له ‏{‏بالبأساء‏}‏؛ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن ‏{‏والضَّرَّاءِ‏}‏ وهي المصائبُ في البدن؛ كالأمراض ونحوها، ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ‏}‏، أي‏:‏ ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم‏:‏ الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، ‏{‏ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة‏}‏، وهي البأساءُ والضرَّاءُ ‏{‏الحسنة‏}‏، وهي السرَّاء والنِّعمة ‏{‏حتى عَفَواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ حتى كَثُرُوا، يقال‏:‏ عَفَا النباتُ والرِّيشُ؛ إِذا كَثُر نباتُهُ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى» ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر؛ لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد؛ كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه مثالاً، أي‏:‏ قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه؛ أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله‏:‏ ‏{‏بَغْتَةً‏}‏ أي‏:‏ فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشاً؛ للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السماء والأرض‏}‏، أي‏:‏ مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ؛ وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في عِلْم اللَّه أكْثَرُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 100‏]‏

‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية تتضمَّن وعيداً للكافرين المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال‏:‏ وهل يأْمَنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأسُ‏:‏ العذابُ، و‏{‏مَكْرَ الله‏}‏ هي إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ، والمراد فِعْلٌ يعاقب به مَكَرة الكَفَرةِ، والعربُ تسمِّي العقوبةَ باسْمِ الذنْب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه ألِفُ تقريرٍ دَخَلَتْ على واو العطف، و«يَهْدي»‏:‏ معناه‏:‏ يبيَّن، فيحتملُ أنْ يكون المبيِّن اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون المبيِّن قولَهُ‏:‏ ‏{‏أَن لَّوْ نَشَاءُ‏}‏، أي عِلْمُهُمْ بذلك، وقال ابنُ عباس، ومجاهد، وابن زيد‏:‏ يهْدِي‏:‏ معناه‏:‏ يتبيَّن، وهذه أيضاً آيةُ وعيد، أي‏:‏ أَلَمْ يظهر لوارثي الأرض بَعْد أولئك الذين تقدَّم ذكرهم، وما حَلَّ بهم أنا نَقْدِرُ لو شئناً أصبناهم بذنوبهم؛ كما فعلنا بمن تقدَّم، وفي العبارة وعْظٌ بحالِ مَنْ سلف من المُهْلَكِين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 108‏]‏

‏{‏تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏103‏)‏ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏104‏)‏ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏105‏)‏ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏106‏)‏ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ‏(‏107‏)‏ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين‏}‏ «تلك» ابتداءٌ، و«القرى» قال قوم‏:‏ هو نعْتٌ، والخبر «نَقْصُّ»، وعندي‏:‏ أن «أهل القرَى» هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها؛ وهذا كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏ وكما قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ أُولَئِكَ الملأ ‏"‏ وكقول ابن أبي الصلت‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تِلْكَ المَكَارِمُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وهذا كثير‏.‏

ثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ‏}‏، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً من التأويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم استبانت حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته‏.‏، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم‏.‏

والثاني‏:‏ من الوجوه‏:‏ أنْ يريد‏:‏ فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مشى بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ؛ أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش‏.‏

والثالث‏:‏ أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ؛ قاله مجاهد، وقرنه بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 28‏]‏‏.‏

والرابع‏:‏ أنه يحتمل‏:‏ فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه؛ أنهم مُكَذِّبون به؛ وذكَرَ هذا التأويلَ المفسِّرون‏.‏

وقوله سبحانَه‏:‏ ‏{‏وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتاً على العَهْد الذي أخذه سبحانه على ذريِّة آدم وقْتَ استخراجهم من ظهره؛ قاله أبو العالية عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه عزَّ وجلَّ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏لأَكْثَرِهِم‏}‏‏:‏ يحتمل أن يعود على «النَّاس» أو على ‏{‏أَهْلُ القرى‏}‏ أو «الأُمم الماضية»‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات؛ في هذه الآية‏:‏ عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في «مِنْ بعدهم» عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين‏}‏‏:‏ فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق‏}‏، قرأ نافعٌ وحده‏:‏ «عَلَيَّ» بإِضافة «على» إِليه، وقرأ الباقون‏:‏ «على» بسكون الياء‏.‏

قال الفارسيُّ‏:‏ معنى هذه القراءة أنَّ «عَلَى» وضعتْ موضع الباء؛ كأنه قال‏:‏ حقيقٌ بأن لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ، وقال قوم‏:‏ «حقيقٌ» صفةٌ ل«رَسُولٌ»، تم عندها الكلامُ، و«عَليَّ»‏:‏ خبرٌ مقدّمٌ و«أَلاَّ أقول»‏:‏ ابتداءٌ، وإِعراب «أَنْ»، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً‏:‏ رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه‏:‏ «حَقيقٌ أَنْ لا أَقُول»، وهذه المخاطَبَةُ إِذا تأَمَّلْتَ غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسراءيل * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين‏}‏ «البينة»؛ هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوَّته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره‏:‏

‏{‏لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ‏}‏، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ‏:‏ خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها‏.‏

وقَالَ السّديُّ‏:‏ إِنه أَحَدَث، وقال‏:‏ يا موسى كُفَّهُ عني، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ جبير، ويقال‏:‏ إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر‏.‏ والثعبان‏:‏ الحَيَّة الذَّكَر وهو أهولُ وأجَرأُ؛ قاله الضحاك، وقال قتادة‏:‏ صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً، وقال ابن عباس‏:‏ غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله‏:‏ ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ معناه‏:‏ لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن؛ إنه ثعبانٌ حقيقة، ‏{‏وَنَزَعَ يَدَهُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مِنْ جيبه، أو من كُمِّه؛ حسب الخلافِ في ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ للناظرين‏}‏، قال مجاهد‏:‏ كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما‏.‏

* ت *‏:‏ وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ؛ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 116‏]‏

‏{‏قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏109‏)‏ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ‏(‏110‏)‏ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏111‏)‏ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏112‏)‏ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ‏(‏115‏)‏ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ‏(‏116‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ‏}‏ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَاذَا تَأْمُرُونَ‏}‏ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل‏:‏ إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ‏:‏ ‏{‏تَأْمُرُون‏}‏ بكسر النون وكذلك في «الشعراء» ‏[‏الشعراء‏:‏ 35‏]‏‏.‏

و«ما»‏:‏ استفهامُ، و«ذَا»‏:‏ بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون»‏:‏ ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ‏:‏ تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه؛ على هذا، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين * يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحر عَلِيمٍ‏}‏ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش؛ أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً؛ ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا‏:‏ إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين‏}‏‏:‏ «الأَجر» هنا‏:‏ الأجْرَةُ‏.‏

واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيمٌ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس‏}‏، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ؛ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر اللَّه الحَق، وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس‏}‏‏:‏ نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، ‏{‏واسترهبوهم‏}‏ بمعنى‏:‏ أرهبوهم، أي‏:‏ فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم»، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج‏:‏ قيل‏:‏ إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرُّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 119‏]‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ‏(‏117‏)‏ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏118‏)‏ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ‏(‏119‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ‏}‏‏:‏ وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه؛ أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل‏.‏

وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسولِهِ، و‏{‏تَلْقَفُ‏}‏ معناه‏:‏ تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير‏:‏ «تَلْقُم» بالميم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَوَقَعَ الحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أيْ‏:‏ نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان‏:‏ فوقع، أي‏:‏ فظهر، و«الحَقُّ»‏:‏ يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهورَ الإعجاز، ‏{‏مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله‏:‏ «فغلبوا»‏:‏ عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وانقلبوا صاغرين‏}‏، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ؛ لأنهم آمنوا واستشهدوا رَضِيَ اللَّه عنهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 127‏]‏

‏{‏وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ‏(‏120‏)‏ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏121‏)‏ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏122‏)‏ قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏123‏)‏ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏124‏)‏ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ‏(‏125‏)‏ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ‏(‏126‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُلْقِيَ السحرة ساجدين * قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وهارون * قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏، لما رأَى السحرةُ مِنْ عظيم القُدْرة ماتيقَّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ‏:‏ ‏{‏آمَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وهارون‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون‏:‏ ‏{‏آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ‏}‏‏:‏ دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره؛ لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى‏:‏ أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ؛ أتؤمنُونَ بي، فقالَ‏:‏ نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ؛ فلهذا قال‏:‏ إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ إِنَّا إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بآيات رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور‏:‏ «تنْقِمُ» بكسر القاف، ومعناه‏:‏ وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم‏:‏ أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ، قال ابن عباسٍ‏:‏ لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل، وقولُ ملإِ فرعونَ‏:‏ ‏{‏أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم‏:‏ ‏{‏وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ‏}‏، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا ‏{‏أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏ إنما يريدُ‏:‏ بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات‏.‏

وقيل‏:‏ إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره‏.‏ كأنه ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله‏:‏ ‏{‏سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ‏}‏، المعنى‏:‏ سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا فَوْقَهُمْ‏}‏، يريد‏:‏ في المنزلة، والتمكُّن من الدنيا، و‏{‏قاهرون‏}‏‏:‏ يقتضي تحقير أمرهم، أي‏:‏ هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم‏.‏ قلت‏:‏ وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 54، 55، 56‏]‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 132‏]‏

‏{‏قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏128‏)‏ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏129‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏130‏)‏ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏131‏)‏ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لما قال فرعونُ ‏{‏سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ‏}‏، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏استعينوا بالله‏}‏، والأرض هنا‏:‏ أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ‏.‏

وقيل‏:‏ المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية‏:‏ يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم‏:‏ ‏{‏أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا‏}‏، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، ‏{‏وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا‏}‏، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم‏.‏

وقال ابنُ عباس والسدّيُّ‏:‏ إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالَة، حين اتبعهم فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر‏.‏

قال * ع *‏:‏ وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل؛ مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ‏}‏، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً؛ ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏}‏ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بالسنين‏}‏، أي‏:‏ بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَقْصٍ مِّنَ الثمرات‏}‏، أي‏:‏ حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة وفعل اللَّه تعالى بهم هذا؛ لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ؛ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه‏.‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا‏:‏ هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا‏:‏ هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ؛ قاله مجاهد وغيره، وقرأ الجمهور «يَطَّيَّرُوا» بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ وغيره‏:‏ «تَطِيرُوا» بالتاء وتخفيف الطاء، وقرأ مجاهدٌ‏:‏ ««تَشَاءَمُوا بمُوسَى» بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلآ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله‏}‏ معناه‏:‏ حظُّهم ونصيبهم؛ قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً؛ لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل؛ مَامَا، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ‏:‏ هي «مَهْ مَا»؛ خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ‏.‏

وقال غيره‏:‏ معناها‏:‏ «مَهُ»، أي‏:‏ كُفَّ، و«ما»‏:‏ جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البَحْتِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 137‏]‏

‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏133‏)‏ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏134‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏135‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏136‏)‏ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ‏(‏137‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الطُّوفانُ‏:‏ مصْدَر مِنْ قولكّ‏:‏ طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره‏:‏ الطُّوفَان في هذه الآية‏:‏ هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم، وقيل‏:‏ طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النَبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو المَوْتُ ‏"‏‏.‏ قُلْتُ‏:‏ ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مُجْمَلاً وروي أن اللَّه عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا‏:‏ يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا‏:‏ ما نودُّ أنَّا لم تمْطَرْ، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق، فقالوا لموسى‏:‏ ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير؛ قاله ابن عباس وغيره، وقرأ الحسن‏:‏ «القَمْل» بفتح القاف، وسكون الميم فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا‏:‏ ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ‏.‏

قال ابن جُبَيْر‏:‏ كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع‏.‏

وقال ابنُ عبَّاس‏:‏ لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ الماء، فقالوا‏:‏ يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يَسْتَقِي القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين‏.‏

وقال زيدُ بن أسْلَمَ‏:‏ إِنما سلط عليهم الرُّعَاف، فهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏والدم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ‏}‏ التفصيل‏:‏ أصله في الأجرام‏:‏ إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها‏.‏

وقالتْ فرقةٌ‏:‏ ‏{‏مُّفَصَّلاَتٍ‏}‏ يراد بها‏:‏ مفرَّقات في الزمَن‏.‏

قال الفخر‏:‏ قال المفسِّرون‏:‏ كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ‏}‏، على هذا التأويل، أي‏:‏ فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ؛ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز قَالُواْ ياموسى ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «الرّجز»‏:‏ العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره‏.‏

وقال قوم‏:‏ ‏[‏إن‏]‏ الرجْزَ هنا طاعونٌ أنزل اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم‏:‏ ‏{‏بِمَا عَهِدَ عِندَكَ‏}‏ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم‏:‏ ‏{‏لَئِن كَشَفْتَ‏}‏ أي‏:‏ بدعائك، ‏{‏لَنُؤْمِنَنَّ‏}‏ ‏{‏وَلَنُرْسِلَنَّ‏}‏ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى‏:‏ اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و«إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ‏:‏ يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ؛ كما تقول‏:‏ أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، ‏{‏وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين‏}‏ أي‏:‏ غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ‏}‏ كنايةٌ عن بني إسرائيل، و‏{‏مشارق الأرض ومغاربها‏}‏‏.‏ قال الحسنُ وغيره‏:‏ هي الشامُ‏.‏ وقالتْ فرقة‏:‏ يريد الأرضَ كلَّها؛ وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ؛ لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحسنى‏}‏، أي‏:‏ ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه؛ قاله مجاهد، و‏{‏يَعْرِشُونَ‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ معناه‏:‏ يبنون‏.‏

قال * ع *‏:‏ رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه؛ أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية؛ على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم؛ فإِن اللَّه سبحانه يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره؛ أنه إِذا قابل الناسُ البلأَ بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضاً عن الحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏138- 141‏]‏

‏{‏وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ‏(‏138‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏139‏)‏ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏141‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسراءيل البحر‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بَحْرَ القُلْزُم، ‏{‏فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ‏}‏، قيل‏:‏ هم الكَنْعَانِيُّونَ‏.‏

وقيل‏:‏ هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب‏:‏ هم الرجَالُ خاصَّة ‏{‏يَعْكُفُونَ‏}‏، العُكُوفُ‏:‏ الملازمة ‏{‏على أَصْنَامٍ لَّهُمْ‏}‏، قيل كانت بقراً‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم‏:‏ ‏{‏اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ‏}‏، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة؛ بجهلهم؛ فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى‏:‏ اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك؛ وعلى هذا الذي قُلْتُ يقعُ التشابهُ الذي نصَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ؛ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فأنكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ‏:‏ ‏"‏ اللَّهُ أَكْبَر‏!‏ قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ؛ ‏{‏اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ‏}‏‏:‏ لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديث، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناسَ؛ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم‏.‏

قلتُ‏:‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏هذا إلهكم وإله موسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 88‏]‏، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم‏:‏ الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صَدَرَتْ مِنْ أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ‏}‏؛ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ‏.‏ انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام * ع *، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ‏}‏، أي‏:‏ مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديءُ العاقبة، والتَّبَار‏:‏ الهلاكُ، وإِنَا مُتَبَّرٌ، أي‏:‏ مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ؛ ومنه‏:‏ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لأنه كسارة، وقوله‏:‏ ‏{‏مَّا هُمْ فِيهِ‏}‏ يعمُّ جميع أحوالهم و‏{‏بَاطَلٌ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ فاسدٌ ذاهبٌ مضحملٌّ، و‏{‏أَبْغِيكُمْ‏}‏ معناه‏:‏ أطلبُ‏.‏

ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أنجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ و‏{‏يَسُومُونَكُمْ‏}‏ معنا‏:‏ يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا؛ فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله‏:‏ ‏{‏يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 145‏]‏

‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏142‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏143‏)‏ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ الثلاثون ليلةً هي شَهْرُ ذي القَعْدَة، وأن العَشْرَة هي عَشْرُ ذي الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ‏}‏‏:‏ أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائِمَ بالذاتِ القديمِ الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات؛ كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربَّه الرؤية، ورؤيةُ اللَّه عز وجلَّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً؛ لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته؛ قالوا‏:‏ لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و«لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفْي بمجرَّده، لقضينا أنه لا يَرَاهُ موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر؛ أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ‏:‏ وأيضاً قال تعالى‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 22، 23‏]‏ فهو نصٌّ في الرؤية بيَّنه صلى الله عليه وسلم؛ ففي «الترمذي» عن ابن عمر، قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إِنَّ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ على اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وعَشيَّةً ‏"‏، ثم قرأ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 22، 23‏]‏، قال أبو عيسى‏:‏ وقد روي هذا الحديثُ مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً‏.‏ انتهى‏.‏

قال مجاهد وغيره‏:‏ إن اللَّه عز وجل قال له‏:‏ يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ؛ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي‏.‏

قال * ع *‏:‏ فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ‏:‏ وقول * ع *‏:‏ ولو بَقِينَا مَعَ هذا النفْي بمجرَّده، لَقَضَيْنَا أنَّه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفْيَ المؤبَّد‏.‏

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ في شرح التَّسْهِيلِ‏:‏ «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في أُنْمُوذجِهِ؛ أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ؛ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 91‏]‏، وهو واضح‏.‏ انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه‏:‏ ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ؛ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه»، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه»، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ؛ قيل‏:‏ ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في ‏{‏فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 26‏]‏ ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في ‏{‏وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 95‏]‏ تَكْراراً، والأصل عدمه‏.‏ انتهى من «المغني»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ‏}‏‏:‏ التجلِّي‏:‏ هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله‏:‏ ‏{‏جَعَلَهُ دَكّاً‏}‏، المعنى‏:‏ جعله أرضاً دكًّا، يقال‏:‏ ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ‏:‏ لا سنامَ لها، ‏{‏وَخَرَّ موسى صَعِقاً‏}‏، أي‏:‏ مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَخَرَّ‏}‏ معناه سقَطَ، وقوله‏:‏ ‏{‏سبحانك‏}‏، أي‏:‏ تنزيهاً لك؛ كذا فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏{‏تُبْتُ إِلَيْكَ‏}‏، معناه‏:‏ منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام؛ لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال؛ كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين‏}‏، أي‏:‏ مِنْ قومه؛ قاله ابن عباس وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه؛ إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا؛ قاله أبو العالية‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشاكرين‏}‏ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النِّعم من عند اللَّه سبحانه بمْقدَارٍ، وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، ‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ‏}‏، أي‏:‏ مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ‏}‏ مثُلُه، وقوله‏:‏ ‏{‏بِقُوَّةٍ‏}‏، أي‏:‏ بجدٍّ وصبرٍ عليها؛ قاله ابن عباس، وقوله‏:‏ ‏{‏بِأَحْسَنِهَا‏}‏ يحتملُ معنيين‏.‏

أحدهما‏:‏ التفضيلُ؛ كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ؛ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما‏.‏

والمعنى الثاني‏:‏ يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها؛ كما تقول‏:‏ اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين‏}‏، الرؤية هنا‏:‏ رؤيةُ عَيْن؛ هذا هو الأظهر إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين‏:‏ قيل‏:‏ هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل‏:‏ الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل‏:‏ جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 147‏]‏

‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏146‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ سأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة‏:‏ الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزَّل‏.‏

* ع *‏:‏ والمعنى عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج‏:‏ الآياتُ‏:‏ العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى‏:‏ عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ‏:‏ هم الكُفَّار، قُلْتُ‏:‏ ويدخل في هذا المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية‏:‏ سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات؛ عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا‏}‏ حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين كَذَّبُواْ بآياتنا وَلِقَاءِ الأخرة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديدٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 151‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏148‏)‏ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏150‏)‏ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ‏}‏‏:‏ الخُوَارُ‏:‏ صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة‏:‏ «لَهُ جُؤَارٌ»- بالجيم-، أيْ‏:‏ صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ ظالمين‏}‏‏:‏ إِخبارٌ عن جميع أحوالهم؛ ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ؛ فأغنى عن إِعادته‏.‏

قال أبو عُبَيْدة‏:‏ يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه‏:‏ سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل‏:‏ ‏{‏لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا‏}‏، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفاً‏}‏، يريد‏:‏ رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ، قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا‏.‏

وعبارةُ * ص *‏:‏ ‏{‏غضبان‏}‏‏:‏ صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غَلَيَانُ القَلْب؛ بسبب ما يؤلم و‏{‏أَسِفاً‏}‏‏:‏ مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل‏:‏ آسِف؛ على وزن فَاعِل، والأَسَفُ‏:‏ الحزنُ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَعَجِلْتُمْ‏}‏، معناه‏:‏ أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس‏:‏ كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غَضَبَهُ على قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ بعد ذلك، قال ابن عبَّاس‏:‏ كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل‏:‏ من ياقوتٍ، وقيل‏:‏ من زَبَرْجَدٍ، وقيل‏:‏ من خشبٍ، واللَّه أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ابن أُمَّ‏}‏ استعطافٌ برحمِ الأمِّ؛ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله‏:‏ ‏{‏كَادُواْ‏}‏، معناه‏:‏ قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين‏}‏، يريد‏:‏ عَبَدَةَ العجْلِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 155‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ‏(‏152‏)‏ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏153‏)‏ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏(‏154‏)‏ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا‏}‏، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين‏:‏ الذِّلَّة‏:‏ الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج‏:‏ الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك نَجْزِي المفترين‏}‏، المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى اللَّه سبحانَهُ في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة وغيرهما‏:‏ كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ؛ واستدلوا بالآية‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين عَمِلُواْ السيئات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين؛ وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ»‏.‏

قال أبو حَيَّان‏:‏ واللام في ‏{‏لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ‏}‏ مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو ‏{‏يَرْهَبُونَ‏}‏ إلى مفعوله المتقدِّم‏.‏

وقال الكوفيُّون‏:‏ زائدةٌ‏.‏

وقال الأخفشُ‏:‏ لام المفعول له، أي‏:‏ لأجْلِ ربِّهم‏.‏ انتهى‏.‏

قلْتُ‏:‏ قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ؛ إِما لتأخيرٍ؛ نحو‏:‏ ‏{‏لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ‏}‏، و‏{‏إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 43‏]‏ أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل؛ نحو‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 91‏]‏ ‏{‏فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 16‏]‏، وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في‏:‏ ‏{‏وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78‏]‏‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال الفَخْرُ‏:‏ قال جماعة النحوِّيين‏:‏ معناه‏:‏ واختار موسى مِنْ قومه، فحذف «مِنْ»، يقال‏:‏ اخترت مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً‏.‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ معنى هذه الآية أَن موسى عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة؛ لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» ‏[‏البقرة‏:‏ 51‏]‏ قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء‏:‏ إِنَّ موسى عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى‏:‏ أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره‏؟‏ قَالَ‏:‏ أنا، قال موسى‏:‏ فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، ‏{‏إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ‏}‏ أيْ‏:‏ إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريدُ‏.‏